السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
226
مصنفات مير داماد
وأمّا الدلائل السمعيّة ، فالقرآن مملوّ بما يوهم بالأمرين ، وكذا الآثار ، فإنّ أمّة من الأمم لم تكن خالية من الفرقتين ، وكذا الأوضاع والحكايات المتدافعة من الجانبين . حتّى قيل : إنّ وضع النرد على الجبر ووضع الشطرنج على القدر . إلّا أنّ مذهبنا أقوى ، بسبب أنّ القدح في قولنا : « لا يترجّح الممكن إلّا بمرجّح » يوجب انسداد باب إثبات الصانع . ونحن نقول : الحقّ ما قال بعض أئمّة الدين : « إنّه لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين » . وذلك لأنّ مبنى المبادى القريبة لأفعال العباد على قدرته واختياره . والمبادى البعيدة على عجزه واضطراره . فالإنسان مضطرّ في صورة مختار ، كالقلم في يد الكاتب والوتد في شقّ الحائط . وفي كلام العقلاء : قال الحائط للوتد : لم تشقّنى ؟ قال : سل من يدقّنى ؟ » هذا كلامه المحكىّ . قلت : ما أورده ، من معوّل الجبريّة وأولئك هم القدريّة حقّا ، ليس ممّا يصحّ التعويل عليه أصلا . أليس الاحتياج إلى مرجّح من خارج غير مصادم لكون قدرة العبد وإرادته ممّا يتوقّف عليه فعله ، ووجوب الفعل بالقدرة والاختيار ليس ينفى ثبوتهما ، بل إنّه يشهد لهما بالتحقّق ويسجّل على ذلك بتّة . وما ذكره من معتمدهم غير حفىّ الوهن على المتبصّرين . وليعلم أنّ المشهور لدى الجمهور أنّه سلك هذا المسلك وسار هذا المسير من المعتزلة أبو الحسين البصريّ فقال : الفعل موقوف على الداعي . فإذا تحققت القدرة وانضمّ إليها الداعي صار مجموعهما علّة موجبة للفعل . وهو مذهب الحكماء ، واختاره أيضا إمام الحرمين ، فذهب إلى أنّ فعل العبد يقع بقدرته إيجابا . وكذلك الأستاذ أبو إسحاق الأسفراينىّ ، إذ ذهب إلى أنّ وقوع الفعل بمجموع القدرتين الإلهيّة والإنسانيّة . وإنّ حامل عرش التحصيل والتحقيق يقول : لا خلاف بين الحكماء والمعتزلة في هذه المسألة . ويأتمّ به في ذلك أكثر من بعده من الأتباع المحصّلين . قال في « شرح المقاصد » ، ( ص . . . ) : « فعل العبد واقع عند الحكماء بقدرة يخلقها اللّه تعالى في العبد . ولا نزاع للمعتزلة في أنّ قدرة العبد مخلوقة للّه تعالى ، وشاع في كلامهم : أنّه خالق القوى والقدر ، فلا يمتاز مذهبهم عن مذهب الحكماء . ولا يفيد ما أشار إليه في « المواقف » ، من أنّ المؤثّر عندهم قدرة العبد ، وعند الحكماء مجموع